مجموعة مؤلفين
116
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
بني الحارث من شعراء الجاهلية يصف الشمس ( 1 ) : أرانا مليك الكون بالشمس آية * تبوء بأنعام الاله وتخبر مخبّأة أما إذا الليل جنّها * فتخفى . وأما بالنهار فتظهر إذا انشق عنها ساطع الفجر وانجلى * دجى الليل ، وانجاب الحجاب المستر وألبس عرض الأفق ثوبا كأنه * على الأفق الغربي ثوب معصفر تجلت وفيها حين يبدو شعاعها * ولم يعل للعين البصيرة منظر عليها كردع الزعفران يشبهّ * شعاع تلالا . فهو درّ منور فلما علت وابيض منها اصفرارها * وجالت كما جال النسيج المشهر وجللت الآفاق ضوءا وأسعرت * بحرّ لها ، منه الضحى يتسعر ترى الظل يضوي حين تبدو وروقه * تراه إذا زالت عن الأرض ينشر كما بدأت إذا أشرقت في مغيبها * تعود كما عاد الكبير المعمر وتدنف حتى ما يكاد شعاعها * يبين إذا ولّت لمن يتبصر وأفنت قرونا ، وهي في ذاك لم تزل * تموت وتحيا كل يوم وتنشر ألا ترى دقة الوصف والتخيل في هذه القصية الجاهلية وأحيلك إلى قراءة شعر المعلقات حيث تبصر وصف المطر ، والبرق ، والفرس ، والحرب . . . ، وبوسعك أن تراجع وصف لبيد الذي مر لبقلة التربة . . . واقرأ الأوصاف الرائعة في القرآن الكريم . اصغ إليه تعالى يصف لنا حال أصحاب اليمين في مسارح الفردوس الأعلى : « وأصحاب اليمين . ما أصحاب اليمين . في سدر مخضود . وطلح منضود . وظل ممدود . وماء مسكوب . وفاكهة كثيرة . لا مقطوعة ولا ممنوعة . وفرش مرفوعة . . . » إلخ . وتبصر حسنا في وصفه تعالى خلق الانسان وتطوره من حال إلى حال : « ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين . ثم خلقنا النطفة علقة . فخلقنا العلقة مضغة . فخلقنا المضغة عظاما . فكسونا العظام لحما ثم أنشاناه خلقا آخر . فتبارك اللّه أحسن الخالقين » ( 2 ) وبعد هذا فأي غرابة في أن يصف علي الخفاش والطاوس ، علي الذي رضع ألبان العلم والأدب والفصاحة على يدي رسول رب العالمين محمد بما يبرز به على من تقدمه ، ومن يجيء بعده
--> ( 1 ) انظر علم الأدب للأب شيخو الجزء الأول . ( 2 ) سورة المؤمنون